أخبار وطنية هل أتاكم حديث قفصة "البيّة".. من تاريخ عريق منسي إلى تهميش وتلوّث بيئي، ومناطق لا ماء فيها ولا مقوّمات عيش كريم تحفظ كرامة الإنسان؟
قفصة "البيّة"... ليست مجرّد ولاية تسكن الجنوب الغربي بل مدينة ضاربة في عمق التاريخ، عُرفت في كتب المؤرخين بـ"بوابة الصحراء"، وارتبط اسمها بالحضارة الكبصية التي شكّلت إحدى أقدم الشواهد الحضارية في إفريقيا. تعاقبت عليها الحضارات القرطاجنية والبونيقية والرومانية، وتركت فيها بصماتها من معالم وأحواض مائية وفسيفساء ما تزال شاهدة على مجد تليد.
غير أنّ هذه المدينة التي كانت يومًا منارة تضجّ بالحياة وجنة فوق الأرض بخيراتها، تبدو اليوم تحتضر تحت وطأة التهميش وضجيج الوعود المتكررة التي ترتفع كشعارات… ثم تتلاشى.
فبين تقارير تدق ناقوس الخطر حول التلوث، وأحياء تشكو العطش، وشباب يصارع البطالة، وسكان يقطعون مئات الكيلومترات بحثًا عن علاج، تتكشّف مفارقة مُوجعة: مدينة تصنع الثروة… لكنها لا تنعم بها.
في هذا التحقيق يرصد لكم موقع الجمهورية "بعض" ملامح الأزمة التي تعاني منها ولاية قفصة وسكّانها: من تهميش بيئي، إلى معضلة الماء مرورا بتحديات الصحة والبطالة والثقافة، وصولًا إلى واحة "عين السلطان" المنسية التي تحوّلت من متنفس طبيعي إلى صرخة استغاثة.
تهميش بيئي يدقّ ناقوس الخطر
بداية بالتهميش البيئي الذي يدقّ ناقوس الخطر، أورد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في أحد تقاريره أنّ ولاية قفصة تعيش، على غرار عديد الولايات التونسية، على وقع تزايد التهميش البيئي، في ظل ارتفاع مهول للأخطار التي باتت تهدّد الإنسان والحيوان والنبات. وتبرز الأنشطة الصناعية، خاصة المرتبطة بالقطاع المنجمي، كأحد أبرز مسبّبات التلوث الذي جعل من مدن الجهة "مدن تلوّث بامتياز"، رغم التحذيرات المتكررة من انعكاساته الصحية والبيئية الخطيرة.
خارطة العطش: أزمة الماء المتصاعدة بلا حلّ
في سنة 2026 وفي بلاد الأحواض الرومانية، ما تزال أحياء بالحوض المنجمي، وخاصة بالمظيلة، إضافة إلى مناطق مثل عمادة الناظور والعلندة وحي النور والعسالة وغيرها، تعاني انقطاعات متكررة للماء الصالح للشرب حتى في فصل الشتاء.
يعود الماء إلى الحنفيات لساعات محدودة وبضغط ضعيف، ثم ينقطع مجددا، ليجد المواطن نفسه أمام معضلة "عتيقة" لم تجد طريقها إلى الحل. وقد أكد المدير التنفيذي للمرصد التونسي للمياه أن قفصة تصدّرت خارطة العطش بـ66 تبليغا خلال شهر جويلية سنة 2025.
في المقابل، كان كاتب الدولة المكلف بالموارد المائية قد أعلن في ماي من السنة الماضية عن إعداد خارطة جهوية لتحسين انتظامية التزوّد بالماء الصالح للشرب، بهدف جعل قفصة ولاية دون انقطاع للمياه في أفق سنة 2030، وهي وعود ما يزال السكان ينتظرون ترجمتها إلى واقع.
المصبات العشوائية… تلوّث بيئي طال الأرض والهواء
يشير تقرير صادر عن قسم العدالة البيئية صلب المنتدى إلى أنّ مدينة أم العرائس تشهد انتشارا واسعا للمصبات العشوائية التي تحوّلت إلى مصبّات مفتوحة للنفايات، حتى داخل الأحياء السكنية وأمام المدارس والمحلات، مسبّبة روائح كريهة وتكاثرا للذباب والبعوض.
وتتمثل هذه القمامة في العديد من الأنواع منها العضوية والبلاستيكية والمعادن والأتربة الناتجة عن تسرب النفايات المنجمية وكذلك فضلات البناء، ولكل نوع من هذه النفايات أضراره على الطبيعة وعلى الانسان.
في إحصائيات سابقة، يستقبل مصبّ النفايات بأم العرائس قرابة 30 طنا يوميا، أي ما يعادل 900 طن شهريا في ظل غياب أرقام رسمية دقيقة حول عدد المصبات العشوائية التي قُدّرت بالعشرات.
وفي دراسة أصدرتها مؤسسة فريدريش إيبرت سنة 2018، كشفت التحاليل الكيميائية احتواء النفايات المنجمية على مواد خطرة، من بينها الفوسفات، والكالسيوم، والبوتاسيوم، والكروم، والزنك، والفاناديوم، والنيكل، والكدميوم، والفلور، وهي عناصر تمثل تهديدا مباشرًا للمحيط وصحة السكان.
من جانبها أكدت منظمة الصحة العالمية، أنّ انتشار المصبات العشوائية يسهم في تفشي أمراض جلدية ومعدية، من بينها "اللشمانيا" التي تُعدّ من أكثر الأمراض السارية والنوع الاكثر انتشارًا في بلادنا وخصوصا في جهات قفصة وسيدي بوزيد والقيروان والجنوب هو ما يعرف بـ"اللشمانيا ماجور".
وقد سجلت الإدارة الجهوية للصحة بقفصة خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2018 حوالي 1500 إصابة باللشمانيا الجلدية، منها 600 حالة بمعتمدية المتلوي.
الثروة المنجمية… بين دعم الاقتصاد واستنزاف الصحة
ورغم أن الثروة المنجمية تبقى ركيزة هامة من ركائز الاقتصاد الوطني ورغم مساهمتها بشكل كبير في حجم الصادرات التونسية، إلّا أنّ ما يُعرف بـ"البخارة" الناتجة عن النشاط المنجمي تسببت في تلوث هوائي انعكس على صحة السكان، حيث تنتشر الأمراض التنفسية والربو والحساسية، إلى جانب تزايد الإصابات بالأمراض السرطانية.
وهي أمراض تنتشر بين سكان الحوض المنجمي حيث لا يكاد تخلو أي عائلة خاصة في المناطق المنجمية من تسجيل إصابة بمرض السرطان في صفوف أفرادها ومما يزيد الطين بلّة خلو المستشفى الجهوي حسين بوزيان الذي تحوّل إلى جامعي، من قسم لطب الأورام والأشعة مما يكبّد المرضى إلى جانب عناء المرض إمّا مشقّة السفر لتلقي العلاج بمستشفيات عمومية والأغلب بسوسة وصفاقس والمنستير وتونس أو تكبّد مصاريف باهضة للتداوي في مصحة خاصة أو لدى عيادة طبية لطبيب مختص علاج الأورام...
ويُطرح في هذا السياق إشكال غياب أطباء الاختصاص ونقص التجهيزات سواء بالمستشفى الجامعي الحسين بوزيان أو بقية المستشفيات المحلية رغم البوادر الإيجابية الأخيرة التي انتهجتها وزارة الصحة، حيث تم الإعلان عن إنشاء أقسام استشفائية حديثة بالمستشفى الجامعي بڨفصة وتجهيزها بمجموعة من التجهيزات الطبية الحديثة والمتطورة، وتتمثّل في إحداث قسم جراحة الأعصاب والذي انطلق العمل به رسميًا الى جانب تعزيز المستشفى بقسم جراحة الاعصاب والمخ والعمود الفقري وجاهزية عيادة مكافحة الإدمان من حيث البنية الأساسية.
ورغم الإعلان عن إحداث أقسام استشفائية حديثة بالمستشفى الجامعي الحسين بوزيان، من بينها قسم جراحة الأعصاب وتعزيز تجهيزاته الطبية، فإنّ الحاجة ما تزال ملحّة لاستكمال منظومة الاختصاصات الطبية، وعلى رأسها طبّ الأورام.
بطالة مُقلقة وبنية تحتية مُخجلة...
رغم اعتبارها جهة منتجة للثروة، تكشف الأرقام الرسمية عن مفارقة تنموية لافتة. فبحسب آخر إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء، بلغت نسبة البطالة في ولاية قفصة 28,2 بالمائة وهي تعتبر من أعلى النسب على المستوى الوطني بما يعكس عمق الأزمة الإجتماعية التي تعاني منها الجهة منذ عقود.
ويرى متابعون أن هذا الواقع لا ينفصل عن غياب رؤية تنموية شاملة قادرة على تحويل الثروة المنجمية إلى ديناميكية اقتصادية محلية مستدامة، في ظل محدودية الاستثمار العمومي وضعف البنية التحتية. وحتى المدخل الرئيسي للولاية لم يسلم من مظاهر التعثر، إذ ما تزال أشغال إعادة تهيئته تراوح مكانها منذ أشهر، مع بقاء أكداس الإسفلت شاهدة على بطء الإنجاز.
ويأتي ذلك في وقت تنتظر فيه الجهة التجسيد الفعلي لجملة من الاتفاقيات التنموية التي تم إمضاؤها مؤخرا بعدد من معتمديات الولاية، في إطار دعم البنية التحتية وتعزيز المرافق العمومية والشبابية والصحية، وسط آمال بأن تتجاوز هذه المشاريع مرحلة الإعلان إلى التنفيذ الفعلي ضمن آجال واضحة.
وتتمثل المشاريع وفق بلاغ صادر عن ولاية قفصة في أشغال تهيئة ملعب دار الشباب بأم العرايس وبناء السور الخارجي، بقيمة جملية تُقدّر بـ 540858 دينارًا وتهيئة المنتزه الحضري بحي حشاد بلالة بالقصر، بكلفة جملية تبلغ 487330 دينارًا، مع تحديد مدة الإنجاز بـ90 يومًا والصفقة الخاصة بأشغال بناء مركز الصحة الأساسية صنف 3 بحي بن يونس الثاني بحي الشباب بمعتمدية قفصة الجنوبية، بقيمة جملية تُقدّر بـ 534812 دينارًا، ومدة إنجاز محددة بـ150 يومًا والصفقة الخاصة بأشغال هدم وإعادة بناء السور الخارجي والمنارة بالسجن المدني بقفصة، بكلفة جملية تبلغ 468750 دينارًا، على أن تُنجز الأشغال في ظرف 120 يومًا.
حين تشبع البطون وتجوع العقول...
لا يقتصر التهميش في ولاية قفصة على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل يمتد إلى المشهد الثقافي الذي يشهد تراجعا ملحوظا منذ سنوات. فالجهة تعاني شبه غياب لدور السينما والمسرح، في ظل تقلص الفضاءات الثقافية وتراجع السياسات العمومية الداعمة للفعل الإبداعي.
وهنا نسترجع الحديث عن أبرز المحطات التي أثارت في السابق جدلا واسعا في الولاية وهي واقعة هدم قاعة السينما التي كانت تمثل فضاء نابضًا بالحياة في قلب المدينة لتحويلها إلى فضاء تجاري وهي خطوة عدّت مؤشّرًا على اختلال الأولويات، حيث تتراجع المساحات المخصصة للفكر والفن مقابل تمدد الاستثمار التجاري حتى تُشبع البطون وتجوع العقول.
وللتذكير فقد نفّذ مديرو مهرجانات ولاية قفصة يوم 10 جويلية 2025 وقفة احتجاجية أمام مقر المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية، رفضًا لتراجع الدعم المخصص لمهرجانات الحوض المنجمي من قبل وزارة الشؤون الثقافية. واعتبر المحتجون أن هذا التقليص من شأنه أن ينعكس سلبًا على الديناميكية الثقافية والترفيهية بالجهة، خاصة في مناطق تحتاج إلى متنفس ثقافي يعزز الحياة المجتمعية ويحدّ من الإقصاء.
في هذا السياق، يطرح سؤال ملحّ حول موقع الثقافة ضمن أولويات التنمية بالجهات الداخلية، ومدى اعتبارها رافدا أساسيًا للتوازن الاجتماعي، لا مجرد نشاط ثانوي قابل للتقليص من ميزانيته.
واحة عين السلطان المنسية حدّث ولا حرج...
ارتبطت واحة "عين السلطان" التي تمسح ما يقارب الـ1500 هكتار الكائنة ببلدية لالة التابعة لولاية قفصة بمآثر تاريخية وإجتماعية تتجانس والعمق الحضاري لمدينة قفصة... هذه الواحة التي كانت بمثابة "جنة في المنطقة" بينابيعها المائية النابضة التي كان الأهالي يستبشرون بها وبنخالها الشاهقة وبملامحها الطبيعية المشعّة بالحياة التي طبعت وجوه الأهالي طيبة وبساطة...
ولئن تم في السابق إحداث منتجع سياحي بـ"عين السلطان" نشّط لسنوات قليلة الجانب الترفيهي والاقتصادي بالمنطقة لكن سرعان ما تقهقرت كل الآمال المتعلقة به لتتحوّل إلى سراب بعد ان ضربت أيادي العابثين فيها هدفا لتحويلها الى مسرح لاستهلاك المخدرات بمختلف انواعها بعد أن كانت معلمًا ينبض بالحياة والأمل، كما فتك الجفاف بالمنطقة فتعالت بذلك نداءات الأهالي والفلاحين إمّا خوفا على مصير أبنائهم أو خشية لفناء غاباتهم..
كانت واحة عين السلطان تمتلك كل مقومات أن تصبح واجهة سياحية ورئة طبيعية للمنطقة، بمياهها النابضة وأشجارها الشاهقة ومناظرها الخلابة التي تأخذ الزائر بعيدًا عن واقع محاصر بالمحسوبية وسياسات التهميش. لكن هذا الإرث الطبيعي لم يُستثمر، وتحول إلى صرخة صامتة للمنطقة الغارقة في الإهمال.
ويبقى السؤال مطروحا: متى ستتخذ السلطات المعنية خطوات فعلية لإعادة تأهيل الواحة مما يساهم في إعادة الحياة والنشاط إلى قلب هذه المنطقة الغنية بإمكاناتها الطبيعية والثقافية؟
إعداد: منــارة تليــجاني